مجمع البحوث الاسلامية

755

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كان هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكاتبين فلا محلّ لاختلاف العلماء في تجدّدهم وتعاقبهم . وذكروا من الحكمة في كتابة الأعمال وحفظها على العاملين أنّ المكلّف إذا علم أنّ أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد ، كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات ، وأبعث له على التزام الأعمال الصّالحات . فإن لم يصل إلى مقام العلم الرّاسخ الّذي يثمر الخشية للّه عزّ وجلّ ، والمعرفة الكاملة الّتي تثمر الحياء منه سبحانه والمراقبة له ، يغلب عليهم الغرور بالكرم الإلهيّ ، والرّجاء في مغفرته ورحمته تعالى ، فلا يكون لديهم من خشيته والحياء منه ما يزجرهم عن معصيته ، كما يزجرهم توقّع الفضيحة في موقف الحساب ، على أعين الخلائق وأسماعهم . وزاد الرّازيّ احتمال أن تكون فائدتها أن توزن تلك الصّحف ، لأنّ وزنها ممكن ووزن الأعمال غير ممكن . كذا قال ، وهو احتمال ضعيف بل لا قيمة له ، لأنّه مبنيّ على تشبيه وزن اللّه للأمور المعنويّة بوزن البشر للأثقال الجسميّة . أمّا بيان هذه الحكمة على الطّريقة الّتي جرينا عليها في بيان حكمة مقادير الخلق ، فتعلم ممّا مرّ هنالك ، وأمّا على طريقة من يقولون : إنّ المراد بكتابة الأعمال : حفظ صورها وآثارها في النّفس ، فهي أنّها تكون المظهر الأتمّ الأجلى لحجّة اللّه البالغة ، فإذا وضع كتاب كلّ أحد يوم الحساب ، ونشرت صحفه المطويّة في سريرة نفسه ، تعرض عليه أعماله فيها بصورها ومعانيها ، فتتمثّل لذاكرته ولحسّه الظّاهر والباطن كما عملها في الدّنيا ، لا يفوته شيء من صفاتها الحسّيّة ولا المعنويّة - كاللّذّة والألم - فيكون حسيبا على نفسه ، وعلى عين اليقين من عدل اللّه وفضله ، وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً الإسراء : 13 ، 14 . وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً الكهف : 49 . ( 7 : 481 ) نحوه المراغيّ . ( 7 : 147 ) مغنيّة : وهؤلاء الحفظة من الملائكة ، قال تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ الانفطار : 10 - 12 ، ونحن نؤمن بذلك ، لأنّ الوحي أخبر عنه ، والعقل لا يأباه ، ولم يرد في كلام اللّه ولا في كلام الرّسول بيان لصفة الكاتب والكتابة ، والعقل لا يلزم البحث والسّؤال عنهما ، فندعهما لعلم اللّه تعالى . أمّا من شبّه الملائكة الكاتبين برجال الشّرطة السّرّيّة ، كما في تفسير المنار والمراغيّ ، أمّا هذا التّشبيه فهو من قياس الغيب على الشّهادة ، والسّماء على الأرض ، مع وجود الفارق البعيد . ( 3 : 202 ) الطّباطبائيّ : إطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا في الإرسال ولا في الحفظة ، ثمّ جعله مغيّا بمجيء الموت ، لا يخلو عن دلالة على أنّ هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الإنسان من كلّ بليّة تتوجّه إليه ومصيبة تتوخّاه ، وآفة تقصده ، فإنّ النّشأة الّتي نحن فيها نشأة التّفاعل والتّزاحم ، ما فيه من شيء إلّا وهو مبتلى بمزاحمة غيره